ابن هشام الأنصاري
353
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب
بعد أن لم يكونوا كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم ؟ وهو معنى قوله تعالى : ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ) أي فهلا تذكرون فتعلمون أنّه من أنشأ شيئا بعد أن لم يكن قادر على إعادته بعد عدمه ؟ انتهى . وقال آخر مثل ذلك ، إلا أنه فسر الحين بزمن التصوير في الرحم ، فقال : المعنى ألم يأت على الناس حين من الدهر كانوا فيه نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى أن صاروا شيئا مذكورا . وكذا قال الزّجاج ، إلا أنه حمل الإنسان على آدم عليه الصلاة والسّلام ، فقال : المعنى ألم يأت على الانسان حين من الدهر كان فيه ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه الروح ؟ اه . وقال بعضهم : لا تكون هل للاستفهام التقريرى ، وإنما ذلك من خصائص الهمزة ، وليس كما قال ، وذكر جماعة من النحويين أن هل تكون بمنزلة إنّ في إفادة التوكيد والتحقيق ، وحملوا على ذلك ( هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ) وقدّروه جوابا للقسم ، وهو بعيد . والدليل الثاني : قول سيبويه الذي شافه العرب وفهم مقاصدهم ، وقد مضى أن سيبويه لم يقل ذلك . والثالث : دخول الهمزة عليها في البيت ، والحرف لا يدخل على مثله في المعنى ، وقد رأيت عن السيرافى أن الرواية الصحيحة « أم هل » وأم هذه منقطعة بمعنى بل ؛ فلا دليل ، وبتقدير ثبوت تلك الرواية فالبيت شاذّ ؛ فيمكن تخريجه على أنه من الجمع بين حرفين لمعنى « 1 » واحد على سبيل التوكيد ، كقوله : * ولا للما بهم أبدا دواء * [ 299 ] بل الذي في ذلك البيت أسهل ؛ لاختلاف اللفظين ، وكون أحدهما على حرفين فهو كقوله :
--> ( 1 ) في نسخة « بمعنى واحد » .